عبد الرحمن بدوي

254

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

« 1 » وأرسطو يقول إن الجميع يتقبل المبدأ الأول ويشتاقه ويتشبه به على قدر استطاعته وبحسب جبلّته وإن عالم الكون مبنىّ من الأضداد والتغالب بحسب قرب الأجرام السمائية وبعدها بالحركات الدورية على فلك البروج واختلاف ميل الكواكب في العرض والطول . وهذا بعينه هو الذي يقوله أفلاطون في المحبّة والغلبة . فالذي يعبّر عنه أرسطو بالشوق والعشق والتقبيل هو الذي يعبّر عنه أفلاطون بالمحبة . فنبدّل العبارة ونقول : إن المبدأ الأوّل محبوب فقط ، وما سواه فمحبّ ومحبوب . فكلّ ما في مرتبته فإنه يحبّ ما فوقه ويحبّه ما دونه . وبهذه المحبّات انحفظت قوى الأزليات والداثرات ، فإن ذوات الكون ما دام بين بسائطها ائتلاف فإن الكائن ثابت باق . وذلك الائتلاف هو المحبة . فإذا ظهر بعض « 2 » الأضداد على بعض فغلب الظاهر فسد المركب ؛ وهذا الذي سمّاه أفلاطون الغلبة . فحقا قال إن الموجودات مركبة من المحبّة والغلبة ، وقال إن أسبابها المحبّة والغلبة : فما كان له المحبة الخاصية التي لا يشوبها الضدّ أصلا فهو باق بجوهره دائما ؛ وما كان له المحبّة المشوبة بالضدّ فإنه باق ما دامت أجزاؤه متهادنة ليس بينها تغالب . فإذا غلب أحد الأضداد كان الفساد . فالغلبة أبدا مفرّقة ، والمحبّة أبدا جامعة . فمحبة الأزليات محضة لا يشوبها ضدّ ولا غلبة ، ولذلك كانت دائمة ؛ وأمّا محبّة الداثرات فإلى وقت ما . فلذلك كل ما تشوب محبته غلبة فله ضدّ ، وكل ما له ضدّ فإنه يفسد ، وكل ما لا ضد له وليس في موضوع فإنه لا يفسد . وأما أن المحبّة والغلبة جوهران قائمان أو ذاتان منفعلان فذلك مما لا يقبله عقل ولا يسوّغه قياس . وكذلك القائلون بالصور والمثل ويصفونها بأنّها جواهر قائمة [ 146 ] بنفوسها دائمة ساكنة كلية أبديّة ، فتلك « 3 » أيضا أقوال باطلة وأوضاع فاسدة . وإنما الذي يليق بالحكيم الفاضل هو أن يقول إن جميع الموجودات في ذات الباري سبحانه موجودة وجودا مبسوطا لا يوجب في ذاته كثرة ولا تعدّدا ولا يسوغ أن يتوهّم ذلك توهما . وأول مبدع عنه العقل الأول ، وهو عالم بذاته وذات مبدعة علما روحانيا . وإذا طالع ذاته ، ففي ذاته جميع ما دونه ، فقد علم ذلك أجمع علما مبسوطا . وكذلك حال النفس عند العقل

--> ( 1 ) من هنا إلى آخر الفصل ليس من صلب « الايضاح في الخير المحض » . ( 2 ) ص : بعد . ( 3 ) ص : فذلك .